منوعات

الكاتب الجزائري محمود عياشي يكتب ل”ريجيستا”

موسم الهجرة إلى الشمال - الطيب صالح

في البدء لغة عاديّة تشعرك بالارتباك والملل ، تعتمد الوصف المباشر، تسهب أحيانا وتختصر أخرى، تعلو وتهبط وتثرثر وتهدأ كتموجات غير مرتبة في النيل ذات خريف غب هزيع عاصف !

كانت توطئة ممتدة لسيل من الذكريات، جمل قصيرة وأفعال كثيرة مختلفة، الأزمنة متقاربة الدلالة كأنما تنفذ فتنهل خطفة من المسرح النفسي ، تشي ببراءة النوبة الممتدة في الأفق الأرجواني ، بتفكير خشن هادئ ! وتسرّع في أخذ المعنى كما يتَّفق دون الحاجة إلى تعديله أو إعادة صياغته مجدَّداً بما يتَّفق وأسلوبَ الكاتبِ ، جاء متفاوتاً على نحوٍ لافتٍ .. لا يضيق ذرعاً بلغة تخلف موعدَها ، لكنّه يعطف بقصار الجمل وأشباهها ليبقيك إلى جانبه ريثما يكتمل المشهد أو الصّورة، بل ربّما قفز نافدَ الصَّبرِمخلِّفاً السَّطْرَ أوِ السَّطرَينِ مجاوِزاً إلى ما يستقبله رغبةً في المزيدِ ، وليس كلّه تبرُّماً بطولِ المقدِّماتِ، وهذا عاملٌ من عوامل التَّشوِيقِ فِي أُسلُوبِهِ ؛لأنَّكَ رُبَّما رجعْتَ القَهقَرى للاستمتاعِ بما فَوَّتَه من جُمَلٍ بعدما تتوصَّل إلى المقصودِ حَتَّى لا تفوتك منه شارِدَةٌ ، تحدث الدكتور طه حسين عن سذاجة التفكير عند الجاهليين يأتي مغلَّفا في تعبير معقَّد جلف؛ فالإيحاش في اللغة وليس في الفكرة وما وراءها من مغزى وأجدني إزاء نصوص الطيب صالح أتلمس خشونة طبعه مع براءة وصدق الملَكة التي تزرع الكلمات كما اتفق ، فاذا نبتت لم يهن قلعها لاختلافها عن المقاس، ويلمس القارئ روعة التحليل ودقته وجودة الوصف ورقته على لسان البطل وهو في انجلترا بعدما عركته الحياة وتمرَّس في دروبها على اختلاف بيِّنٍ في حديثه عن صباه ، فقد استعمل الاقتضاب في معرض رحلته من السودان الى القاهرة ولولا نبوغه وذكاؤه الذي كان علامة فارقة مكَّنته من حلِّ جميع الألغاز وقتها وتجاوز العقبة بسهولة خلال وصف بعض اللقطات كوصف لحظة وصوله (ويقف القطار في المحطة.. يخرج الناس مسرعين.. ويدخلون مسرعين.. ثم يتحرّك القطار.. لم يحدث شيء ليس في الحسبان.. زادت معلوماتي وحدثت لي أحداثٌ صغيرة.. لم يحدث شيء اطلاقاً) وفي لحظة الاندماج وما فيها من نضوج الأحداث تتبخّر الشَّخصية بكاملها في حادثة الغرق مجسّدا أو متقمِّصًا ما يعبِّر عنه بسخريَّة القدر متابعته إلى النّهاية وما بعدها من أحداث محتملة ومصائر متوقعة، إنه إذن يتقن لعبة الكتابة فيغيّر مجرى الكلام ويعرض صفحات عن البطل وسرده بعد أن وطّد له بمناسبة اضطرارا اليها لا تحتمل التأجيل، ثم تجده يصف البيئة انتقالاً متقدماً حتى يلهيك عن مصطفى وحكاياته، فتقول له: صدقتَ ما لنا ولَه بعد إذ تبخَّرَ.. وتعرفنا من خلاله على السودانيّ الذي لم يشعر بأمانِ الأبوَّة ولا بحنان الأمومة؛ جفاء في المشاعر وبرودة مقلقة ولا مبالاة واقتضاب في الحوار وعقم في الأجوبة، فتلك في رأيي هشاشه الانتماء وتضعضع الوطنية وأمارة الاغتراب، لكن لم يضع حواجز تشعر القارئ بمجاهدة ضوائقها بل يسر له سبل الهجرة الى الشمال بكلِّ ما أُوتيَ منَ النبوغ والذكاء.
تتحد الرغبة الملحة مع الفرصة الموطئة السانحة والعدة مع العزم والدعم وتأتي الأمنية موافقه الاقتراح والقوة الأجنبية تمثل رعاية الموهبة في خيار أفضل ونجد الكاتب هنا يمهد للهجرة، محطة لا يقف عندها كثيراً وهي محطة القاهرة ثلاثة اعوام لم يعطها الا قطعه اسطر ورغم ان مصر تمثل قبله الاستثمار المواهب الجنوبية وتربة خصبة لإنباتها نباتاً حسناً ومهداً ملائماً إلا أن الكاتب يقصد معقولية موضوعية الانتقال من البداوة الصرفة، إلى الحضارة العارمة، ومن الهدوء الغامض، ومن البراءة والمراهقة، إلى البلوغ والأخذ بأسباب الحياة وكانت القاهرة مرحلة انتقالية مرت باحداثها ومررها بسرعة لينتقل بنا إلى الميدان، فكان ذلك السوداني قد اشتد عوده (وتر وتره) ليكرع من خمر الغرب ونسائه ويحاضر ويغامر ويقتحم الجنس والاجرام، ويعاقب كل ذلك دون أن يتعرض لأسباب رجوعه ومناسبته في هذا الفصل، في وصف النفسية البدائية الجنوبية التي يتمتع بها البطل في شتى أطواره من صبا وشباب ومراهقة، على عكس ما كان متوقعاً ومتعارفاً عليه في العادة من تمييع العربي، الذي يذبه الغرب ويسهره في دوامته، قد حافظ على رباطة جأشه وكثيراً من مقومات الشخصية العربية الجنوبية، رغم ما مني به من جراح وخيبات يمر على وصف العلاقات الحميمية المتعددة مرور الكرام ولا يقف على التفاصيل كما يفعل الكثيرون، وإني لألمس في هذا الجانب جانباً واضحاً من سيرة الكاتب وصفاته وأخلاقه، ولم يعن بكسر الطابوهات فيضع نصه في دائرة الاتّهام وملاحظة النقاط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع