أعمدة الرأي

الكاتب الجزائري محمود عياشي يكتب لـ”ريجيستا

 

الأسود يليق بك – أحلام مستغانمي

قرأتها بتانّ وتفحص ولم أسرِّع وتيرة القراءة رغم لغتها السّهلة ووضوح معالمها ، توزعت على أربعة فصول تسمّيها الكاتبة حركاتٍ ، تحكي جزء من سيرة فتاة تعرضت لمحنة أيّام العشرية السوداء ، فتهاجر لتتعرض الى أقدار حب من نوع خاص ، كالعادة أحداث قليلة في سياق مشاهد واسعة بها منافذ كثيره واستطرادات معتبرة ملفات ثقيلة كانت في يوم ما من المحظورات التي لم تكن متاحة حتى للصحافة وأرباب السياسة ، تناولتها الكاتبة بجرأة متناهية .

العنوان مستَلهَمٌ من مقولةٍ شاعريّةٍ أرسلها البطل مع باقة من أزهار غريبة ، فأثار اهتمامَها وشدّت انتباهَهَا ، وهنا تبدأ خيوط اللعبة والأحداث في التّطوّر ولو امتازت بالبطء ، تصبّ كالعادة في سبب واحد هو صناعة الشّخصيّة على مبدأ اللغة والبيان وتأثير الكلام على السّلوك ، ثمّ يتطوّر الخطاب السردي ليوجّه اهتمام القارئ إلى هدف واحد ، وهو لقاء خاصّ بين مطربة ورجل أعمال ، وتزويد المشهد بالانفعالات الخاصّة للاقتناع بالحبّ المستحيل .

وكعادتها الكاتبةُ تفتح بوّابتها السّرديّة بمقبّلات تلِي الإشاراتِ الافتتاحيّة ، وقد كانت هذه المرّة بفلسفة عدم التّوافق الّذي يكتنف البطلين( كان سيّءالإيقاع .. كان نشازاً مع موسيقاها الدّاخليّةِ )

(كانا آلتين لا تصلحان لعزف سيمفونية مشتركة ) وللقارئ حريّة اختيار الآلتين على مزاجه وذوقه ، وقد تخيّلْت المزمار البلدي والقانون !

( كان مزمارا تتعذّر دوزنته مع قيثارتها ) دعّمتنا بمثالٍ واضح

منهمكا في سدّ كل تقوب المزمار بمخاوفه وتردّده وخجله )

فهو آلة تارةً ، وأخرى عازفٌ يصعب عليه التعامل مع آلة موسيقيّة غريبة عنه ، وقد كان البطل ثرياًّ يعطي لنفسه صلاحيّات كثيرة كعادة أثرياء الدّنيا ؛ وهي شراء ما يشتهون من الذمم والأجساد ، وهذه المرّةَ صادف هذه المرأةَ الجزائريّة العجيبة ، تلك التي قالت له : لا في غمرة غزل خيوط الحبكة بأنامل غير مستعجلة ، تريد تأكيد بعض المهمّات ، شرح الدّواخل النّفسيّة لأبطالها المهمّين يتطلّب توطئة ووقفة فعطفت بتعريف الحبّ تعريف سيّدةٍ متحرّرةٍ من المفهوم السّائد ( الحبّ هو اثنان يضحكان للأشياء نفسِها ) ( يحزنان في اللّحظة نفسها ) وهذه فلسفة الانسجام الروحي والعقلي والمزاجي لكلّ عشّاق العالم ، وسنكتشف أثناء تقدّم الأحداث أنّ ذلك المفهوم منعدمٌ بين بطلي روايتنا ( يشتعلان معاً ، ينطفئان معا بعود كبريت واحدٍ دون تنسيق أو اتّفاقٍ ) أيضا سيكون اشتعال وانطفاء متفاوتين ، ويشمل معنى الاشتعال الرّغبة الجسديّة الَّتي من أجلها كافح البطل دون أن ينالَها ، وتبرّر الكاتبة سبب الاختلاف بقولها ( عود الثّقاب لا يصلح لإشعال فتيلةٍ ) إنّها تأخذ من هذه الأمثلة والتّعريفات أهميّة نار الحبّ إذا أضرمت لتنفعَ وتضيء ما حولَها لا لتحرقَ وتعذِّبَ وتدمِّرَ ، والحبّ الَّذي ننشده ونتطلّع إليه هو المقرّب المسافات وجامع الشقّ لشقّه وليس جمع الأضداد للخروج بمزيد من الخسائر والأعطاب والضَّحَايا ، نعم رصدت الكاتبةُ هذه القصّة المشوِّقَة بنفَس تراجيديٍّ مؤلم ، ولا يُلام كاتب فيما يذر ، لانّ أيّ حدث هو صناعة للأقدار ، ومهمّته هو جمع حصيلة التّجارب ووضع تقرير فنيٍّ مفصَّلٍ يسمّيههو بما يلائم من الأسماء ! (الحبّ هو اشتهاء المسافة ؛ ألّا تقترب كثيراً فتلغي اللهفةَ ، ولا تبتعد طويلا فتنسى ) تعريف الغموض (الغموض مصمم أزياء انتقائي ،لا يضع توقيعه إلا على تفاصيل الكبار.) ومن بين التّقريراتِ الَّتي تفهَم ضمن ما تقدّم ؛ أنّ الفنّانَ الَّذي امتلأت نفسه بالموسيقى لا يمكن أن ينسَجِمَ إلّا مع شاكِلَتِهِ ، ولدينا أمثلة كثيرة في الواقع تعزّز ذلك ؛ فنجد الشّاعر يتزوّج روائيّةً مثلا ، ملحّن ومغنّية ، رسّام وممثّلة ، راقصة وطبّال ..إنَّها طبقاتٌ داخليَّةٌ يصعب الفصلُ بينَها تصنع التّجانسَ والتّنَاسق والتّجاوبَ ، ألم تكنِ الموسيقى غيرَ هذه المعاني الَّتي تسكّن الجوارح وتليّن الطِّباعَ وتهذّب الرّوحَ ؟!، فإذا زاوجَها الصّوت الرَّخيم العَذْبُ تحَقَّقَت العجائِبُ !

إنّ الحيلَة الفنيَّةَ للكاتبة عاليةٌ مُحكمَةٌ ، إذ لحاجة الطّبع الغالب منحازةٌ للحلقة الأضعَفِ ، وستقَوِّيها بتعزيزاتٍ معرفيّة وتاريخيّة وثقافيّة كثيرة ، حتّى نتبرَّمَ بشراسة البطل الّذي يمثّل غطرسة المال وتعقيد الشّخصيّة المدلّلة بالثراء ، لولا الثّغرة التي يتسرّب إليه الضَّعف (الهوى) ، إلّا أنّني أجد المبالغةَ طاغية في تقوية البطلة بصمودها أمام الشّهوتين ( المال والجنس ) لدرجة أن ترمي حزمة الأوراق النّقديّة في وجه الرّجل وهي في أشدّ الحاجة إليه ، والمبالغة الثّانية أن تنام معه في سرير واحدٍ مع الاستمرار في صدِّه ! كان يمكن لها أن تتحرّر من هذه الدّائرة الذّهنيّة الحرجة باختلاق أيّ طارئ مثلما أتاحتْه له ؛ فقد أخلّ هو بشروط وفسخ مواعيد.

في رأيي أنّ كلّ تلك الدّوائر السّرديَّة البعيدة الّتي سارت فيها ببطء للدّخول في صلب الموضوع ، تهافتت بسرعة وذابت كجسور من الملح ، إذ يُدرك القارئ الواعي مُسبَقاً أنّ الرّوايَةَ ستعالج أموراً مهمَّةً هي الَّتي ستأتي في ثنايا الكتاب مبثوثة بأحكام لا علاقة لها بالزّمن الرّوائيِّ ، ولا حتّى ببعض الشّخصيّات الفاعلة ، وأخرى ستنبثق وتنطفئ إلى الأبد ، فأحلام مستغانمي كما قرأت لها في كتابات أخرى تأتي محمَّلة بالكلام وتريد الفضفضة لقارئها على أوجاع قديمة ومستجدّات لا تحتمل التَّأخير ، وربّما تعدّ أجرَأَ من كتب في قضايا العشريَّة السّوداء ، وكشف كواليسها وبعض أمورها الغامضة ، وجاءت هذه المرَّة بضحيّةٍ من ضحايا الإرهابِ ؛ تعرّضت لقتل أبيها بتهمة الفنّ ، وأخيها بتهمة التّمرّد والعصيان ، ثمّ تجشّمت عناء الهجرة لتواصل الحياة باحترافها الفنَّ ، وتستثمر منصّته لتعرّفَ العالَم بقضيّتها ، ثمّ تحكم الكاتبة الملهاة بخلق قصّة الحبّ حتّى نتمكّن من بلوغ النّهاية بصمود وإثارةٍ !

وأوّل قضيّة تفتحها على مصراعيها هي الأفكار التي تتبنّاها الجماعات المسلّحة ، وهي تحريم الفنّ والموسيقى والرسم والغناء ، وردع المخالفين بالاغتيال ، ثم التصفيات المباغتة لمن حاول التمرّد ، وإن كان قد تعرّف النّاس على كل ذلك فيما بعد من خلال داعش ، أمّا النقطة المهمّة الّتي أراها حسنة من حسنات الرواية هي التطرّق لموضوع المصالحة الوطنيّة ،مركّزة على سلبياتها ، وهو أمرٌ على ضرورته زادت وطأته على الضّحايا بما منح للجناة من مزايا كرّستهم على الشّعب بقوّة القانون ،يمسّ ذلك بطلتنا بالطّبع ، فهي الجامعة لكلّ الأفكار والواردات ، والنّقطة التي تجتمع فيها كلّ حوصلة من الكلام .

تختار كلماتِها بدقَّةٍ ومراجعةٍ ، وغالب الظَّنِّ أن تكون كتابتها بطيئة متأنّيَة ، وإن كان حال اكتمال النصّ تبدو المعاني متسارعة بسبب الألغاز القادمة ، فهي لا تكشف لقارئها نواياها الخياليّة بسهولة ، تنتقي مقولاتها الشّهيرة بعناية فائقة كما يضع الفنّان الصّورة في مكانها من الرّكن أو الجدارِ ، وربّما يكون بعضها جاهزاً وُلِد قبل سياقه ، وهي تختار موضعَها باحتراف وجهد ، وذلك أحقّ موضع توضع فيها المقولة الصّالحة للاستشهاد والتّداول ، وهي تعادل المثل السّائر والحكمة وبيت القصيد ونحو ذلك ، ورغم ذلك نجدها تشكو سرقة مقولاتها وتداولها بشكل لافت دون نسبتها إليها ، وذلك ممَّا لا يُتَحكَّم فيه لكثرته واتّساعه . وهناك جملٌ رائعة تُدرك أن السّياق خلقها تناصّاً أو توريةً لا تحتمل التَّأجيل ، فتعلم أنّها أُفرغًت إفراغةً واحدَةً كما يقول الجاحظ .من ذلك قولها( الفنادق والخنادق ) فكلمة الخنادق لم تجد مكانها ولا مناسبتها قبل أن تستدعيها كلمة الفنادق ، وقولها (هي هنا ليست لنشر غسيل الوطن على حبال صوتها ! ) هذه الصّورة ولدت هنا في لحظة تدوينها الفكرة واحتلّت مكانَها بلا محاولة من تعديل أو شطب أو إرجاء ، ومن ذلك قولها على لسان البطل الّذي أنهكته المطاردَةُ ولم يحصل على رغبته : ( الخيانة أن تقبل على امرأة دون شهوة ، أي أن تخون جسدَكَ ) في ردّه على مجابهته قائلةُ ( حدسي يقول إنّك خائن ) فهو في الحقيقة خائن لزوجه مع سبق الإصرار ، ويريد أن يترفّع على اتّهامها بمرافعة خبيثة وقلب التّهمة ، فاحتاج إلى زيادة التّوضيح ( أي أن تخون جسدك ) وهذه مساحة هروب منحتها الكاتبة للبطل بإظهار الهوّة بين طبقتين مختلفتين ، وزادت الهوّة باتساع ثانٍ بالتّعقيب ( إنّه كلام أكبر من فهمها ) ثمّ جعلت الهوّة تزداد اتّساعا بإعطاء الرّجل مزيداً من غموض والمرأة مزيداً من التّصنّع والهروب ، وغاية ذلك أن لا يفهم كلّ منهما الآخرَ وتتضح أوجه الاختلاف حتّى يقتنع القارئ أنّ الفراق هو الحلّ .

سدّت عليها منافذ الغنى التي تدمّر موهبتها حتّى ولو كانت ثريّة ، فستصبح عندئذ امرأة غنيّة صامتة تنتظر قاتلها في قصرها في صمت ، بل جعلَتْهَا تتنازل عن ذلك العَرضِ السخِيّ الَّذي لا يناسب مقاسَها ، وانتصرت لها في الأخير بعد معاناة وفراغ وحيرة أن تصنع مجدَها وتعلن متخلّيةً عن الأسود الّذي يليق بها وتطرحه كما تطرح حداد الماضي وما فيه من تشوّهات وانكسارات ، فالمال يكون في أكثر مواقفه إرهاباً ؛ تماماً كما يستخدم الدّين والإعلامُ والمنصبْ .. وانتصرت المرأة الضّحيَّة كالعادة هنا الّذي هو ( صوت المرأة ).

في النصّ بعض الهنات البسيطة كقولها : وهو ممسكاً بكأسه – لِمَا كلّ هذا الأسى –ظبط–بينماأمامهساعتينفيانتظارطائرته–إحزنني قليلا ..أمّا أجمل مقولة اختصرت القصّة هي قولها ( مأساة الحبّ الكبير ليست في موته صغيراً ، بل في كونه بعد رحيله يتركنا صغاراً). المستجدّ في المعنى أن نعي عمق دواخل الشخصيّة من خلال ما يبدو لنا من اضطراب التّصرّفات أو غرائب الانفعالات وردود الأفعال والمواقف المفاجئة الّتي تجعل القارئ لا يتمنّى ذاك الخيار أو غيره ، ويتأسّف لسير الأمور على ما جاءت عليه ، وهنا لا يدعنا الكاتب إلّا ببعض التّحليل ، على سبيل المثال أن تفسّر لهفة امرأة على رجل لا يناسب مقاسَها ( أنّها تحبّ حبَّه لها وليس هو ) تماما مثلما هو يحبّ خضوعها لسطوته أو تذلّلها لماله أو ضعفها أمام جبروت ملكه .. فنناقش الظّواهر والحالات التي تلبسها الأشخاص وتتزيّا بها وليس الأشخاصَ أنفسَهم ، وهذا من الأفكار المطوَّرة الشّائعة في الأدب الحديث ؛ كقول نزار ( وأحبّ كرهي لها ) لتندرج المشاعر في بعض الممارسة العقليّة وقياسها بالخيال بعد أن كانت بسيطة في الفؤاد لم يكشفها سلوك .

يمكن القول إن الأديبة محافظة على الخطوط الأخلاقيّة ، فلا كلمة نابية ولا مشاهد خارجة عن قانون الذّوق العامّ ، فليس في قاموسها ما يخدش ، مقتضبة في وصف ما لابدّ منه ، مستعجلة على قفل الموضوع بعد تأكّدها من فهم ما لا يُقال ، أمّا الخمر فالكاس دلالة على ما فيها ، وتتساهل لتذكر كلمة ( النّبيذ ) ، وأجدها مضطرَّةً لاستعمال القبلة من الشّفتين أو الأحضان القليلة حرصا على واقعيّة البطل ، والّذي لم أستسغه ورود اصطلاح الآلهة في سياق توصيف سلطة البطل وهيمنته ، حتّى لو كان في أثينا، فلا حاجة لتنكّرها ضدّ مبادئها حتّى ولو استدعتها الحاجة اللغوية .

الخميس 14/7/2022

محمود عياشي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع