أعمدة الرأي

صابِنّها/محمد عبد الماجد /ود اللمين.. الشجون تفقد زادها

وددت لو خرجت بعراقي وسروال وطاقية، وأنا حافي القدمين، وحالق الرأس، وهتفت بأعلى صوت، لقد هرمنا.. هرمنا، كما قالها الثائر التونسي، غير أننا هرمنا من الحزن والشجن والرحيل والحرب.
قهوتنا أصبحت سادة بطبيعة الحال، نشربها في حضرة الحزن (سادة)، وجلبابي الأبيض أصبح من تلقاء نفسه أسود، وشارع بيتنا أصبحت أتلقّى فيه التعازي، وعيوننا العسلية أصبح يملؤها الحزن، ولوننا الأسمر أصبح اللون الرسمي للأشجان.
قرأت عن مهاتفة البرهان لأسرة محمد الأمين معزياً، قلت هل يستطيع البرهان أن يهاتف كل مواطن سوداني ليعزيه في محمد الأمين؟ ود اللمين منّا، هل يعتذر البرهان للشعب والحرب حرمتنا حتى من تقديم العزاء؟
قبل أن أكمل مقالي عن رحيل كمال الجزولي وهاشم كرار، رحل محمد الأمين والزميل الصحفي خازن الأسرار والأخبار أسامة أبو شنب وهو حزن آخر مثل (الجمرة) التي تطأها وحدك.
نعيش الحزن مرتين عندما يرحل مبدع، مرة لأنّه رحل ومرة لأنّه رحل في هذه الأيام التي لا تُمكِّننا من المشاركة في التشييع ولا تُمكِّن الراحلين في أن يجدوا حقهم في وطنهم ويدفنوا في العاصمة التي كانوا يعيشون فيها. لقد قُبروا بعيداً عن تراب الوطن الذي وهبوا حياتهم له.
إنّنا نحس بالحياء ونحن نفقدهم في هذه الظروف. لا نستطيع أن نفعل شيئاً، بل إننا لا نستطيع أن نقول شيئاً.
رحل كمال الجزولي في القاهرة ودُفن فيها، ورحل هاشم كرار في الخليج ودُفن هنالك، ورحل محمد الأمين في أمريكا ودفن فيها، ورحل أسامة أبو شنب في وادي حلفا ودُفن بعيداً عن العاصمة التي كان يتوهّج فيها.
بدأت استيعابي الفني وأنا طفل بالاستماع للفنان إبراهيم الكاشف، كان فناني المفضل، لا أدري كيف حدث ذلك؟ ولكن أذكر إنِّي كنت أترقّب أغنياته في الراديو واسترق السمع لها، وكنت أرددها عندما أكون في عزلة، وخلوة متخوفاً من أن يسمعني أحدٌ وأنا أغني للكاشف.
في مرحلة الثانوي العالي وفي الجامعة كان فناني المفضل هو محمد الأمين ومنه بدأت علاقتي به، اشتري ألبوماته وأكتب أغنياته خلسة في كراسة التاريخ والجغرافيا. مضيت في ذلك الدرب حتى تحولت من خانة (معجب) بمحمد الأمين إلى (متعصب) له.
أشاكل في محمد الأمين ولا أقبل فيه كلمة.
كانت من علامات النبوغ الثقافي لجيلنا ومازال أن تكتب في خانة فنانك المفضل: محمد الأمين أو مصطفى سيد أحمد، كان هذا قمة الوعي الثقافي والفني، وقد كان الناس ينظرون إلى أي شخص فنانه المفضل محمد الأمين أو مصطفى سيد أحمد بشئ من الاحترام والإعجاب. نعم كان حتى الذي يستمع لمحمد الأمين أو مصطفى سيد أحمد يُعجب به.. وكان المستمع في نفسه (فناناً) عندما يسمع محمد الأمين أو مصطفى سيد أحمد.
الشخص الذي يكون فنانه المفضل محمد الأمين أو مصطفى سيد أحمد يختلف عن الآخرين في كل شئ، في ثقافته وفهمه وتميزه، حتى في كلامه ولبسه يختلف عن الآخرين.
عندما أتيت إلى الخرطوم وأنا من الولايات في حالة دهشة بالعاصمة (كنت ملتوياً بالبهجة كعمامة إعرابي يزور المدينة للمرة الثانية)، كان هدفاً أول وأساسياً لي أن أدخل إستاد الهلال وأن أحضر حفلة لمحمد الأمين، لم نكن نتخلّى عن هذه العادة حتى ولو أتينا للخرطوم من أجل العلاج.
فرحتنا بدخول نادي الضباط من أجل حضور حفلة محمد الأمين كانت أكبر من فرحتنا بدخول الجامعة.
بعد محمد الأمين كان تعلقي بعثمان حسين ومحمد وردي وأبو عركي البخيت، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كان لنا فيها متعة ومدرسة وحياة.
في الخرطوم وأنا طالبٌ أذكر إنِْي لم أكن أستطع أن أتخطى أو أتجاوز كافتيريا أو محل مرطبات إذا كان محمد الأمين يغني فيه. كنت اضطر إلى أن أشرب كوباً من عصير الليمون أو البرتقال حتى وإن كان ذلك بآخر قرش أملكه، وإن أجبرني ذلك العودة إلى البيت راجلاً، لأنني أنفقت قروش المواصلات في كوب الليمون من أجل الاستماع لمحمد الأمين، وكنت لا أستطيع أن أنزل من مركبة عامة شغال فيها شريط لمحمد الأمين، حفظنا أغنيات محمد الأمين في المركبات العامة، لذلك كنا ننزل في المحطة الأخيرة أو نعود بنفس المركبة من حيث أتينا إذا كان محمد الأمين يغني في المركبة التي نستقلها في المواصلات العامة.
علاقة الشخص بفنانه المفضل، علاقة مؤثرة ومهمة في بناء الشخصية وفي مزاجه وثقافته العامة. وأظن أن أي شخص في كل مرحلة من مراحل حياته كان مُعجباً بفنان معين.
في بروفايل محمد الأمين قبل صوته (الموكب) الذي يشبه المواكب في اختلافه وتعدده وتلونه وطبقاته، وقبل موسيقاه الساحرة والغريبة وقبل أغنياته التي لا تشبه أغنيات الغير، أقف عند (إنسانية) محمد الأمين وعند (صدقه) الفني الذي عاش من أجله.
محمد الأمين فنان دموعه قريبة، يشبه في هذا المحور الفنان السني الضوي الذي كان يبكي أمام أي موقف مؤثر، فقد كانت دموع السني الضوي تنهمر لو شاهد طفلين في عِراك.. محمد الأمين كان فناناً باكياً.. كم كانت تبكيه أغنياته، وقد شاهد الناس دموعه عندما غنى بتتعلم من الأيام رغم أنه يقول في الأغنية ذاتها (وراء البسمات كتمت دموع بكيت من غير تحس بي)، ود اللمين كان الشعب السوداني كله يحس ببكائه وهو يحاول أن يخفي دموعه وراء البسمات. من النادر ان تجد صورة لمحمد الأمين وهو لا يبكي فيها.
(وراء البسمات كتمت دموع بكيت من غير تحس بي) كانت (حالة) لكل سائقي اللواري والبرينسات والبصات، تكتب خلف العربية، كان ذلك قبل أن تظهر (الحالة) في الواتس والفيس.
دموع محمد الأمين تثبت إنسانية هذا الفنان المُرهف.
بكى محمد الأمين أيضاً عندما غنى مع محمد وردي نور العين وبعد أيه، وشاهدت محمد الأمين وهو مثل الطفل فرحاً بالغناء مع محمد وردي ومبتهلاً معه حد البكاء.
أما عن صدقه الفني وانغماسه في أغنياته، فهو يتمثل في الموقف الذي أوقف فيه جمهوره من ترديد أغنية زاد الشجون معه، حيث قال لهم (يا تغنوا إنتو يا أغني أنا)، وقد أثار هذا الموقف الشارع وأصبح (ترند) ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستوى العربي أيضاً.
صدق محمد الأمين أيضاً كان يتجسّد في محدودية أغنياته، محمد الأمين لم يكن صاحب إنتاج غزير، مع موهبته الكبيرة ، فقد كان لا يخرج الأغنية إلا بعد سنوات، وقد أخرج محمد الأمين (زاد الشجون) بعد أربع سنوات من استلامها من شاعرها فضل الله محمد الذي كتبها وهو طالبٌ في جامعة الخرطوم وتغنى بها محمد الأمين بعد أن تخرج فضل الله في جامعة الخرطوم وعمل في الصحافة ليطلب منه محمد الأمين عملاً جديداً، فيداعبه رفيق دربه قائلاً: إنت زاد الشجون منحتك لها وأنا طالب في كلية القانون وتغنيت بها بعد أن تخرّجت، إذا أعطيتك نص الآن فلن أسمعه منك إلّا بعد أن أصبح نقيباً.
هذا الأمر يؤكد إخلاص محمد الأمين في عمله الفني، وقد ظهر هذا الإخلاص وهذا الصدق في أداء محمد الأمين الذي كان يجعله ينسى نفسه عندما يغني وموقفه مع جمهوره في (يا تغنوا إنتو يا أغني أنا) يؤكد ذلك.
فنياً محمد الأمين منذ أن ظهر في الستينات وحتى غادر هذه الفانية كان فنان الشباك الأول، وفنان الشباب الاول كذلك .حفلاته العامة داخل البلاد وخارجها تثبت ذلك. لقد ظل نادي الضباط منطقة مغلقة لمحمد الأمين لا ينافسه في ذلك حتى الفنانين الشباب عندما يصلون للقمة.
الفنان إبراهيم عوض قال عندما سمع محمد الأمين يغني (قلنا ما ممكن تسافر) وهو في البص في طريقه إلى مدني، نزل من البص وعاد إلى البيت بعد أن لغى سفره.
قلنا ما ممكن تسافر الأغنية التي أطلق عليها شاعرها فضل الله محمد اسم (الحب والظروف)، فيها حوار درامي رائع (ما بنضوق في دنيا راحة وأي زول غيرك نملو)، وفي أخطر مُعادلة عاطفية لم تثبت رياضياً بعد (والغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة والدقيقة وزنت مافي مُـرة ما بنقدر نطيقها).. وليس لنا غير أن نقول لمحمد الأمين (وإنت عارف نحن بعدك للصباح دائماً نساهر).
في أغنية (زاد الشجون) التي كتبها فضل الله محمد أيضاً يوجد حوار درامي بديع، وأغنيات محمد الأمين كانت زادنا في الشجون.
(وكنت تتعلم تجامل لو فؤادك مرة جرب إنو ما يدق دقة واحدة إلا واتفجر حنين).
من أغنيات الحوار الدرامي أغنية (الجريدة) وهي أيضاً كتبها فضل الله محمد، وفي الحب والظروف وزاد الشجون والجريدة سياق (قصصي) مشوّق (بتقري في أيه كلميني يا سلام مهتمة عاملة).
أغنية بتتعلّم من الأيام (مدرسة)، وهي من كلمات إسحاق الحلنقي، (وبكرة الريد من غير مواعيد يزور قلبك تقول يا ريتني لو حبيت زمان من بدري) وهذا هو المقطع الذي يبكي فيه محمد الأمين.
ليس هنالك حِنية أعظم من (أقابلك وكلي حِنية وأخاف من نظرتك لي).
هذا الخوف من ماذا؟ (أخاف شوق العمر كله يفاجأك يوم في عينيا) وهو نفس الشوق الذي قال عنه الحلنقي في (وعد النوار) لو وشوش صوت الريح في الباب يسبقنا الشوق قبل العينين.
الوشوشة كانت تفعل ذلك في محمد الأمين والأغنية كتبها الحلنقي في قصة حقيقية عاشها محمد الأمين.
من عبقريات محمد الأمين (يا ريتني لو أقدر أقول فيك الكلام الما انكتب)، ماذا يريد أن يقول هاشم صديق أكثر من ذلك (عيونك ديل عيون أهلي حنان زي نغمة في مقطع).
محمد الأمين غنى لأبو آمنة حامد (رجع البلد) وغنى لمحمد علي جبارة أجمل أغنيات التفاؤل والأمل (أنا وحبيبي) يا حاسدين غرامنا يا قاصدين خصامنا شوفوا غيري وغير حبيبي. غنى محمد الأمين لمبارك بشير (عويناتك) ولهاشم صديق حروف اسمك وكلام للحلوة وهمسة شوق.
ومثلما وضع محمد الأمين علامة في كل الأغنيات العاطفية التي تغنى بها، وضع محمد الأمين علامات واضحة وعظيمة في تاريخ الأغنية الوطنية وهو يغني الملحمة (قصة ثورة) ويغني كذلك وطنياً لمحجوب شريف وفضل الله محمد ومبارك بشير.
اللهم أرحم محمد الأمين وأسامة أبو شنب ولنا عودة.
ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع