أعمدة الرأي

زفة ألوان /يس علي يس/ كاد يمضي العام..!!

• عام أو ينقص بعض أيام، والناس في فجاج الأرض، يكابدون الحياة، وتكاد تهزم ثباتهم، يثبتهم اليقين في أن كل ما يحدث إلى زوال، وأن هذه الأيام ستكون تأريخاً حقيقياً يكتب وترويه الأجيال جيلاً بعد حجيل، عن حجم التضحيات، وعن معنى أن تبذل كل شيء من أجل الوطن، ومن أجل هذه البقعة الصغيرة التي تسكنها، ويحيطك بها الأحباب بكل الحب، بكل الصدق، بكل المودة، وبإلفة الروح الواحدة، وكل الأمان، حين تترك صغارك خلفك، وتسعى في مناكب الأرض بحثاً عن الرزق، ولا يشغلك شاغل عليهم، فهم في أيدٍ أمينة، ووسط جيرانك وعشيرتك، وهم قادرون على سد فراغ غيابك لحين عودتك إلى الدار من جديد..!!

• وفي الخاطر هذا الجيش، وأولئك المقاتلين الشرفاء، في كل ثغر، وفي الخطوط الأمامية، يتلقون سيل الرصاص، ويستقبلون الموت صباحاً ومساء بصدور مفتوحة، وعيون باتت تحرس في سبيل الله، تحمي الأرض والعرض، منذ لحظة الخيانة الأولى، لا يدفعهم حب مال ولا سلطة للقتال، وتقديم أرواحهم رخيصة فدى لهذا التراب، بل هو إيمانهم العميق بهذا البلد، ووحدته، وأمنه واستقراره، وهو ما قلب الطاولة في وجه المعتدين الأوغاد، وجعل من اجتماعهم على تشتيت هذه الأمة، كابوساً لا يقبل إلا بالأرواح الوضيعة التي يحملونها في جنبات أنفسهم، وحق لنا أن نفخر بهذا الجيش وبقيادته التي لم تنفعل في موجات الانفعال، ولم تحبط في أقسى لحظات الإحباط..!!

• هل عرفتم الآن قيمة النعمة التي كنتم فيها؟؟، هل استوعبتم روعة تلك الدار التي كانت تأويكم رغم توضع مبانيها وجدرانها؟؟، هل عرفتم قيمة تلك “اللمة” في البيت الكبير، حين يضج المكان بالضجيج والصخب، وصراخ الأطفال، ولا تجد مكاناً لتتمدد فيه ولو قليلاً؟؟، هل ما زلتم تضيقون من كل هذا وأنتم تكابدون ويلات النزوح، والسكن في أقصى جحر يمنحكم شيئاً من الخصوصية وبعض الراحة، بلا شاشات، بلا أسرّة، بلا مكيفات، بلا ثلاجات، بلا أدنى حد من الرفاهية التي لم تكونوا تستشعرون وجودها ولم تكونوا تحمدون الله عليها، بل تقابلونها بالسخط المستمر..!!

• هل انطلق حنينكم إلى كل تلك البروش التي كانت تتمدد في بهاء في شوارعكم، يجتمع فيها الجيران لتناول الإفطار في رمضان، تدعوا المارين والعابرين، وتطعم من انقطعت به السبيل في خرطوم الفيل، وتلك الضحكات والابتسامات، وصلاة المغرب في جماعة ثم التمدد لتبادل الأحاديث والحكايات والذكريات، قبل أن تصدح المآذن بالتراويح هناك، والشارع لا يكاد يهدأ والحركة لا تكاد تستقر، ثم تشتعل الملاعب بالدورات الليلية، وتضج الأندية بالزوار حتى مطلع الفجر، وتستعد لبداية يوم جديد، لا تعلو فيه نبرات الخوف ولا تترقب فيه أصوات الطلقات، والموت المجاني الموزع على أرصفة العاصمة، في قلب عاصفة الوجود العسكري السرطاني البغيض..!!

• كلنا نحن لتلكم الأيام، ونسير في بلادنا غريبي الوجه واليد واللسان، فهذا دارنا، ولكننا لا نألفها، ولعلنا نردد البيت الشهير ذاك: ” كم منزلاً في الأرض يألفه الفتى/ وحنينه أبداً لأول منزل”، ثم نصطحبه معنا في كل الطرقات، ويرن في آذاننا، حتى يغالبنا الدمع فنبكي على الدار، تلك التي هجرناها قسراً وعبث بها اللصوص، وتركوها خاوية على عروشها، منا ومن كل شيء، ومن كل ذكرى جميلة حفظته أركانها الرائعة..!!

• لا تبتئسوا، واشكروا فضل الله على الشدائد، وأحمدوا الله حمد الشاكرين الذاكرين على كل ما حدث، فتلك كانت رسالة السماء إلينا، وكانت مجرد لفت نظر لنعرف ما كنا فيه، في ما صرنا إليه، ولنتدبر الآيات، ولنقرأ أنفسنا في أمثلة القرءان وقصصه، وسنجد حكايتنا ترويها الآيات والسور، ولا عودة إلا بالحمد والشكر على نعمة الابتلاء تلك..!!

• سنظل مدينين لهذه الحرب، وسنظل نشكر قيامها إلى قيام الساعة، لأنها فتحت أعيننا على كل شيء كنا نغض الطرف عنه، وكنا نتجاوزه بسذاجتنا الكريهة تحت بند الطيبة، ولكن الغربال الآن يعمل، والحرب وحدها هي التي أعادته للعمل، ولولاها لقتلتنا غفلتنا، ولقضت على كل أخضر ويابس، في هذا الوطن الممتد حباً ووداً وتسامح..!!

• سنظل شاكرين للقوات المسلحة السودانية، وهي تؤكد كل صباح أن جيشنا “ما ساهل”، وأنها هي “الحارس مالنا ودمنا” بحق وحقيقة، بالرغم من تشكيك المحايدين، وميولهم الرمادية نحو المليشيا المتمردة على حساب الوطن، ولكن رد الجيش يختلف حتى وإن جاء بعد قرن من الزمان..!!

• ومع العندليب الأسمر الراحل زيدان إبراهيم نغني: “كاد يمضي العام .. أو تولى”..!!

• والفورة تظل مليون حتى آخر جنجويدي فوق هذا التراب الطاهر..!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع