أعمدة الرأي

زفة ألوان / يس علي يس / القضارف.. إنسانية.. وكورة..!!

• كان دخولي إلى القضارف في أغسطس الماضي بعد صمود طويل في الخرطوم، كانت الملجأ والملاذ من وقع الحرب، وحجم الضيق الذي خلفته هناك، كنت على يقين بأن في القضارف متسع للحياة، لأنني أعرفها وأعرف إنسانها، وأعرف أصالتها، ثم هدوءها الحبيب والمحبب إلى النفس، فهي مدينة واسعة الصدر مهما ضاقت الأرض، وباذخة العطاء مهما كان ضيق ذات اليد، بالرغم من الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، ولكن القضارف ظلت سخية في الحرب كما هي سخية في السلم، فالطبع دائماً يغلب التطبع، وللقضارف حكايا لا يحصيها حرف ولا يحتويها كتاب..!!
• صادف دخولي القضارف قيام دورة رياضية على ملعب الموردة العتيق، وللحقيقة فإنها كانت مجرد “موضوع” لنازح يحاول أن يهرب من التفكير والحنين إلى العودة إلى الديار، ولكن حين انطلقت الدورة تلك، كانت كفيلة بأن تجذبك جذباً لمتابعتها، ولمتابعة كل الفرق المشاركة، لما تحتويه من مواهب وإبداعات، حتى إنك لتشعر بالحزن عند إطلاق صافرة النهاية، وتنتظر على أحر من الجمر موعد مباراة الغد، وكانت دورة ملعب الموردة قد كشفت لي العديد من الأسماء للاعبي القضارف المميزين، وعلى رأسهم “فلاتة” الذي مازلت على قناعة إنه واحد من أفضل المحاور الشباب، وجبريل وفييرا لاعبا ديم النور، وبابوية، والتنو، ويزيد، وأسماء أخرى كثيرة وكثيفة حتماً ستسقط من ذاكرة الكتابة اللحظية..!!
• دورة الموردة كانت هي المقياس الذي تحكم في كل الدورات التي أقيمت فيما بعد، من بينها دورة كرري، ودورة ملعب الإصلاح بديم النور التي لم أحظ بمتابعتها أبداً، ثم دورات أركويت، والفردوس، والتضامن وأبكر جبريل، والصوفي، وديم سعد، ودورة السكة حديد والرابطة الغربية، ودورة حي سواكن، وغيرها من الدورات وهو ما سمح لي بمشاهدة الكثير من اللاعبين المميزين في القضارف..!!
• من سوء حظ الأندية أن الدوري متوقف، ومن حسن حظ القضارف أن لديها هذا الكم الهائل من اللاعبين المميزين، الذين يمكن لهم أن يقتحموا تشكيلة أكبر الأندية في السودان، لو وجدوا المزيد من الرعاية والاهتمام والتدريب، وهذا بمثابة لفت نظر للقمة للوقوف على هذه المواهب صغيرة السن كبيرة الإمكانيات، والاستفادة من خدمات العطاء الطويل للأعمار الشابة، والكف عن الدوران في فلك ضيق لا نجني منه سوى الهشيم كل موسم..!!
• وجود خبراء ومدربين في القضارف بقامة مورينيهو والخبير النذير حبة والمدرب فريني وعوض شاويش كفيل بأن يجعل منهم كشافين يمكن للأندية أن ترجع إليهم لمعرفة كل المعلومات عن اللاعبين، وتقديم تقييم مبدئي تمهيداً للاختبارات لاتخاذ قرار نهائي، وأنا على يقين أن أكثر من عشرة لاعبين لن يبقوا في القضارف لمدة أطول متى ما شاهدت القمة مستوياتهم وانضباطهم وقوتهم..!!
• اجتماعياً، فإن الحديث يطول، وحين يطرق بابك أحدهم ذات ليلة، ثم يفتح الأبناء الباب، يعودوا محملين بسلة من كل المواد التموينية، لا تعرف من هو.. ثم تخرج وتتلفت في الشارع ولا تجد أحداً، ثم لا يمضي زمن قبل أن يرن هاتفك يوجهك بالذهاب إلى المكان الفلاني لاستلام حصة من دقيق وسكر وزيت، ثم لا تعرف من المتصل وتفشل في استدراج من يسلمك هذا، وأسماء إخوة وأصدقاء لا نريد أن نقصم ظهرهم، ولكنهم كانوا يقفون في وجه الظروف ويمنحوننا الظل، هم يعرفون أنفسهم، ونعرفهم، لم يخذلوننا، وكانوا نعم السند في رحلة النزوح القاسية..!!
• حتى أولئك المنتشرين في المدارس ومراكز الإيواء، يجدون من أهل الحي كل الاهتمام، ومن منظمات مثل الإشراق ومنظمة قطر الخيرية، ومنظمات أخرى كثيرة كان شبابها “زي الورد” يربطون الليل بالنهار لتوفير كل المعينات لهؤلاء المغلوب على امرهم، بلا كلل ولا ملل ولا سؤال.. متى.. وأين .. وكيف..؟؟
• علمتنا رحلة النزوح هذه معادن هذه المدينة الفاضلة البسيطة الأنيقة مظهراً وجوهراً، علمتنا لماذا ظلت أرض القضارف معطاءة، ولماذا ظل إنسانها نقياً لم تدنسه أطماع التكسب من جراحات القادمين، ولم تغيره الظروف، فتح صدره للقادمين، ثم إن القضارف برغم ما تضمه من هذا الكم الهائل من النازحين، تظل تحسها رحبة وواسعة، بلا زحام، بلا ضيق، فالنفوس هنا “متطايبة” .. والقلب الكبير لقضارف الخير يسع الجميع..!!
• الحكايات كثيرة، والمواقف التي شاهدناها أكثر، وسنحكي عنها كلما سنحت الظروف..!!
• شكراً القضارف.. شكراً إنسان القضارف..
• و.. عوافي..!!
• اللهم اغفر لي ولوالدي.. رب ارحمهما كما ربياني صغيراً..!!
• أقم صلاتك تستقم حياتك..!!
• صل قبل أن يصلى عليك..!!
• ولا شيء سوى اللون الأزرق..!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع