أعمدة الرأي

زفة ألوان / يس علي يس / ريحة البيت.. عطر الماضي..!!

• كم مرة في حياتك استدرجك عطر إلى ماضي حبيب؟؟، كم مرة ساقك لحن إلى ركن ما في منزلك، مدرستك، مكان عملك؟؟ واجتر بك تفاصيل جلسة جميلة بين أسرتك، أهلك وأصدقاءك؟؟، ذاكرة العطر تبقى عميقة في مخيلاتنا، هي وحدها القادرة على مجادلتك بالانزواء ذات ذكرى، والانفصال عن عالمك لثواني، تعود فيه عبر بوابة الزمن إلى الأيام الغضة النضيرة التي تخضر هذا البور الممتد على ربوع النضج البائس..!!
• هنالك ذكريات تأتي في شكل موكب متدافع وغير منتظم، يأخذك من تلابيبك عبر حقب مختلفة، وكأنه مسبحة يجذب بعضها بعضاً، وتأبى إلا أن تقف على مسرح ذاكرتك في لحظة واحدة، حتى يربك ذلك حاضرك، ربما تقودك “بتقول هواي تستبعدو” بتسجيلها القديم إلى نبش ذكريات البيوت القديمة حين كان صوت أم درمان يعلو في أرجاء المنزل ذات نهار، ثم تتقاذف ذاكرتك “الجريف واللوبيا” و “ماذا يكون” و”سوات العاصفة” و “بليلة مباشر” و”عالم الرياضة” و”لسان العرب” و “حقيبة الفن” وكلها تندلق في وقت واحد، وبألحان مختلفة، وبتذكر عميق للزمان والمكان، لشبابيك الخشب، والأبواب الخشبية، لرائحة الغرفة المزيج، “للتلقيمة” على السقف، والمراوح الأورينت، تملأ سماء الغرفة بالهواء، وتشاكس الضوء المعانق للوسائد، تلك التي كان منقوشاً عليها “نوم العافية” بشتى الألوان البهيجة..!!
• أما العطر فإن سطوته نافذة، وذكرياته دائماً ما تفتح لك الطريق، وتمهده بالنظر، النظر إلى تلك اللحظات وكأنك تراها رأي العين، هنالك عطرك يهدهد الطفولة داخلك، ويعبث بالشيب الذي وخط على جنبات شعرك، يقودك إلى حضن أمك، لعطرها الذي لا يشبهه عطر، ولا تبدله بعطر، ذلك الممزوج بعرق المطبخ، وكدح الترتيب، ورائحة الصابون، ثم عطرها المتخفي ذلك، فيخلق هذا المزيج فيك دموعاً لا تقوى على النزول، وشريط طويل من الذكريات الحميمة، والشقاوة، والعناية، والخوف والشفقة وبعض أيام العقاب، هو عطر الأم الذي لم تنجح فرنسا في تقديم ما يوازيه روعة وحميمية وذكريات..!!
• وللشوارع عطرها، وحين يمتليء “النيم” العتيق بالنوار، فهو قادر على أن يأخذك إلى أماكن كنت تقطعها شوقا ومتعة، وبطرق كنت تعبيء فيها صدرك بالجمال، ثم ترفع عينيك إلى الأشجار المتشابكة، وتتذكر قول المتنبيء في “وصف شعب بوان”: وألقى الشرق منها في ثيابي / دنانيراً تفر من البنان” في وصف مدهش لتخلل أشعة الشمس لتشابك الأشجار، قينقلب إليك البصر وهو مملوء باللوحات تلك، التي كنت تسمع فيها وقع خطواتك على الطريق فتشكل خلفية موسيقية متناغمة مع ذاكرة عطر الشوارع..!!
• وبالرغم من أن رائحة “الدكاكين” متشابهة، وروائح الخبز متطابقة، إلا أن هناك رائحة ظلت محتفظة بمكانها، ومرتبطة بمشهد داخلك، في مكان ما ، وفي زمان ما، وفي حدث ما، وحين يتخلل هذا ذاكرتك، يمكن أن تقف في المكان، وتغمض عينيك، لتعيش ولو لحظات شيئاً من الزمن الجميل..!!
• إننا نحتاج إلى هذه الروائح وهذه العطور في رحلة الوحشة والنزوح، للتحليق بعيداً عن خواطر الحرب والقتال، نحتاج أن نعود لشوارعنا المهجورة، للدروب التي حفظت خطواتنا، لكومة الأكياس المتناثرة في الطريق، ولبقايا الطعام الذي اجتمعت عنده بعض هوام الأرض، للمزيرة التي جفت أزيارها، وللتذكارات المكتوبة على الحوائط لطفل يحاول أن يخلد ذكراه بـ”تذكار من حمودي” على حائط مدرسة متهالكة الحائط، للمآذن تلك.. للصلوات.. تظل تلك الروح هائمة وباحثة عن تلكم الأيام الناضرات..!!
• دعونا نتنفس بذاكرة العطر والصوت.. والعودة إلى ديار الصبا.. ولو عبر شريط الذكريات..!!
• جمعة طيبة..!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: عذرا.. النسخ ممنوع